تعرفوا على إليف هاله كوكجن، الخطاطة والمذهبة التركية التي تثبت أن عقل مهندس الحاسوب وروح الفنان الكلاسيكي ليسا متباعدين كما قد نظن.

من جرافيتي الشوارع إلى قلم القصب الدقيق
قبل أوراق الذهب الرقيقة وأقلام القصب المقطوعة بعناية (الأقلام)، كانت هناك الخطوط الجريئة والواسعة لطلاء الرش. بدأ هوس إليف بأشكال الحروف في تركيا قبل وقت طويل من أي تدريب رسمي. كانت من نوع الأطفال الذين قد يغرقون طوال فترة ما بعد الظهيرة في مطاردة التناغم المثالي بين الحبر والورق. في المرحلة الإعدادية، وجد هذا الانبهار متنفساً له في عالم الجرافيتي المتمرد، وهو لقاء عصري خام مع هندسة الحروف.
لكن كل شيء تغير في المرحلة الثانوية عندما دخلت فصلاً لتعليم الخط العربي الكلاسيكي.
تسترجع إليف تلك اللحظة بشعور من الدهشة قائلة: "في اللحظة التي أمسكت فيها بقلم القصب، حدث شيء ما بداخلي. كان بإمكاني التدرب لساعات دون أن أشعر بالتعب. لم يكن الأمر يبدو وكأنه التزام صارم بل شعرت وكأنني في بيتي".
سرعان ما أدركت إليف أنه في الفنون التقليدية نادراً ما تترك الكلمة المكتوبة بجمال دون زينة. فالخط والتذهيب (فن الإضاءة الكلاسيكي) توأمان لا يفترقان. انطلقت إليف بكل طاقتها لدراسة كليهما، وهو إتقان مزدوج لا يزال يؤثر بقوة على نظرتها الحادة للتصميم اليوم.
الكتابة مع أرواح الأساتذة
تتخصص إليف في المنحنيات الأنيقة لخطوط الثلث والنسخ والثلث الجلي، وهي تنجذب إلى الخلود المطلق لهذه الخطوط. إن مشاهدتها وهي تكتب تشبه مشاهدة الزمن وهو يطوي نفسه. بالنسبة لها، الجلوس أمام المسند ليس عملاً فردياً أبداً. إنه انخراط نشط وحي مع نظام بيئي فكري صمد وتطور عبر قرون.
توضح إليف قائلة: "يخبرك هذا التطور بشيء عميق. أنت لا تكتب بمفردك أبداً. أنت تكتب جنباً إلى جنب مع كل خطاط أمسك بالقلم نفسه من قبلك".
لحظة التنوير في قصر طوب قابي
لكل فنان لحظة تغير مساره بشكل جذري. بالنسبة لإليف، حدثت تلك اللحظة في القاعات التاريخية الهادئة بقصر طوب قابي في إسطنبول.
أثناء وقوفها على بعد بوصات من مخطوطات بارعة تعود لقرون مضت، ذُهلت بالحميمية الاستثنائية للصفحات. التجليد المثالي والدقة الهندسية في ترتيب الخطوط والرقص السلس بين الحبر والتذهيب، كلها أمور لامست روحها. وبينما يميل العديد من الخطاطين اليوم نحو اللوحات الجدارية الضخمة، شعرت إليف بانجذاب قوي لا يقاوم نحو العالم الدقيق والمفصل لفنون الكتاب التقليدية.
ولترسيخ نفسها في هذا الانضباط، سعىت للحصول على إرشاد الأستاذ أحمد فارس رزق. وتحت توجيهه، انفتحت لها الأعماق الواسعة والمهيبة لهذه الحرفة، مما منح ممارستها وضوحاً جديداً ومعياراً من التميز لا يقبل المساومة.
حيث تلتقي الخوارزميات بالحبر القديم
ربما تكون الطبقة الأكثر إثارة في قصة إليف هي ما تحمله معها إلى مرسمها: العقل المدرب للغاية والمختص بحل المشكلات لمهندسة حاسوب. كيف يتكيف دماغ مبرمج بالخوارزميات مع شكل فني أقدم من المطبعة؟ الإجابة هي: ببراعة تامة.
في أنماط مثل الثلث الجلي، لا يعد تكوين لوحة واحدة مجرد رسم بل هو حل لغز مكاني ذكي ومعقد. تمنحها قاعدتها التقنية ميزة لا تصدق في موازنة هذه الأوزان البصرية المعقدة.
علاوة على ذلك، فإن تدريبها كمذهبة يمنحها يد جراح عندما يتعلق الأمر بـ "التصحيح"، وهو العملية المضنية لتعديل الانحرافات المجهرية الطبيعية للقلم للوصول إلى أشكال حروف حادة وخالية من العيوب. ولأنها تتحدث اللغة البصرية للأنماط التقليدية بطلاقة، فإن قطعها النهائية هي روائع فنية متماسكة في التصميم.
Passing the Key at SOCO
اليوم، أثمر تفاني إليف عن نيلها اعترافاً رسمياً من وزارة الثقافة التركية كحاملة للتراث الثقافي غير المادي. إنه تكريم يجعلها تشعر بتواضع شديد، ومع ذلك يحفزها بشدة للحفاظ على استمرارية هذا الإرث.
في ورش العمل التي تقدمها في "سوكو"، لا تكتفي إليف بتعليم آليات الكتابة بل تسلم طلابها مفتاحاً. إنها تتحدىهم لرؤية الكتابة التقليدية ليس كمجرد هواية، بل كرمز حي للحضارة الإنسانية. فتطور خطوطنا يعكس تطورنا نحن. ومن خلال حمل القلم، لا يقوم طلابها بصنع الفن فحسب، بل يشاركون بنشاط في القصة الجميلة والمستمرة للتواصل الثقافي.